سيد محمد طنطاوي

66

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

إن صاحبك يقول : إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين : قال : صدق . قالوا : هل لك أن نقامرك ؟ - أي : نراهنك وكان ذلك قبل تحريم الرهان - فبايعوه على أربع قلائص - جمع قلوص ، وهي من الإبل : الشابة - إلى سبع سنين . فمضت السبع ولم يكن شيء . ففرح المشركون بذلك ، فشق على المسلمين ، فذكر للنبي صلى اللَّه عليه وسلم فقال : ما بضع سنين عندكم ؟ قالوا : دون العشر . قال : اذهب فزايدهم ، وازدد سنتين في الأجل . قال : فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس ، ففرح المؤمنون بذلك . « 1 » . وقال بعض العلماء : اتفق المؤرخون من المسلمين وأهل الكتاب على أن ملك فارس كان قد غزا بلاد الشام مرتين : في سنة 613 ، وفي سنة 614 ، أي : قبل الهجرة بسبع سنين ، فحدث أن بلغ الخبر مكة . ففرح المشركون ، وشمتوا في المسلمين . . فنزلت هذه الآيات . فلم يمض من البضع - وهو ما بين الثلاث إلى التسع - سبع سنين ، إلا وقد انتصر الروم على الفرس ، وكان ذلك سنة 621 م . أي : قبل الهجرة بسنة « 2 » . وأدنى بمعنى أقرب . والمراد بالأرض : أرض الروم . أي : غلبت الروم في أقرب أرضها من بلاد الفرس . قال ابن كثير : وكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم ، حين غلبت الروم ، بين أذرعات وبصرى ، - على ما ذكره ابن عباس وعكرمة وغيرهما - ، وهي طرف بلاد الشام مما يلي الحجاز . وقال مجاهد : كان ذلك في الجزيرة ، وهي أقرب بلاد الروم من فارس « 3 » . وقال الآلوسي : والمراد بالأرض : أرض الروم ، على أن « أل » نائبة مناب الضمير المضاف إليه ، والأقربية بالنظر إلى أهل مكة ، لأن الكلام معهم . أو المراد بها أرض مكة ونواحيها ، لأنها الأرض المعهودة عندهم ، والأقربية بالنظر إلى الروم « 4 » . وقوله - تعالى - : * ( وهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ ) * بشارة من اللَّه - تعالى - للمؤمنين ، بأن اللَّه - تعالى - سيحقق لهم ما يرجونه من انتصار الروم على الفرس .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 6 ص 305 . وتفسير ابن جرير ج 21 ص 13 . ( 2 ) تفسير القاسمي ج 12 ص 4765 . ( 3 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 310 . ( 4 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 17 .